حسن الأمين

11

مستدركات أعيان الشيعة

المنستير - وهو الرباط المشهور البركة - فيكون هناك طول أيام القيظ ، ثم يعود منه إلى القيروان على ما جرت به عادة العلماء الزهاد المتواضعين . وبالجملة لو أردنا استقصاء أخبار أحمد بن الجزار من الشيء القليل الذي وصل إلينا لطال بنا الكلام ويكفي للدلالة ما نقلنا من كلام المتقدمين فيه وما وصفوه به من الصفات النادرة كقول ياقوت : « كان أحمد طبيبا حاذقا دارسا ، كتبه جامعة لمؤلفات الأوائل ، حسن الفهم لها ، وكان مع حسن المذهب صائنا لنفسه » . ورأيت عبارة أوردها المالكي عرضا في كتابه . « رياض النفوس » تشير إلى أن ابن الجزار ربما كان يميل إلى شيء من التشيع . حيث قال : « كان ابن الجزار الطبيب على خلاف السنة » ( 1 ) وربما كان ميله هذا لآراء الشيعة هو السبب الذي حمل أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على التغافل عن إيراد ترجمته في مصنفاتهم ، لأنا لم نر من بينهم من تكلم عليه لا بالكثير ولا بالقليل . وأول من أطال في التعريف به هو الطبيب الأندلسي سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل ، فجل أخباره منقولة عنه مع العلم بان ابن جلجل قرأ الطب على بعض تلاميذ ابن الجزار . ومهما يكن من إهمال أصحاب الطبقات لترجمته فان الأطباء التونسيين لم يرتابوا في تقدير علم ابن الجزار الواسع وتعظيم قدره ، وبالآخر الانتفاع بفوائده الغزيرة . فقد قال الطبيب أحمد الخميري - من الأطباء التونسيين في القرن العاشر للهجرة - في « تحفة القادم » من تاليفه : « إن غالب المصنفات الكبيرة التي تنظر في علم الطب ، مصنفوها من غير هذا الإقليم الإفريقي ، كابن سينا والرازي والمجوسي وغيرهم ، والمناسب النظر في هذا الإقليم في تصانيف ابن الجزار لأنه إفريقي ، أما سائر كتب الطب فلا ينبغي لغير الطبيب الماهر المداواة بنصها على ما هي عليه إلا بعد مراعاة قدر اختلاف الطبائع واعتبار الأقطار وتأثير الأدوية في قطر دون قطر ، بحسب اختلاف عروض الأقاليم والعادات . . إلى آخره » . ولا مشاحة أن تأليف ابن الجزار نالت شهرة بعيدة المدى حتى في مدة حياته . فهذا كشاجم الشاعر المشهور - ولم يدخل القطر الإفريقي - يقول في مدح أبي جعفر أحمد ويصف كتابه « زاد المسافر » . أبا جعفر أبقيت حيا وميتا مفاخر في ظهر الزمان عظاما رأيت على « زاد المسافر » عندنا من الناظرين العارفين زحاما فأيقنت أن لو كان حيا لوقته يحنا لما سمى التمام تماما « 2 » ساحمد أفعالا لأحمد لم تزل مواقعها عند الكرام كراما والواقع ان من يستعرض ما صنفه ابن الجزار من الكتب في غير المادة الطبية ومن أبحاثه في التاريخ والفلسفة والأدب ، يتبين ما كان لهذا الفذ النابغ من الثقافة الواسعة الأفق ومن قوة العارضة مما يجعله مفخرة من مفاخر عصره ، ويكفيه مزية عن أبناء العربية أن مؤلفاته الطبية - لا سيما زاد المسافر - حازت من العناية بها في القارة الأوربية ما جعلها تترجم إلى سائر اللغات العلمية المنتشرة فيها حينئذ ، وتتخذ أصلا متينا للبحوث من لدن أطباء الإفرنج في القرون الوسطى - فقد ترجمت إلى اليونانية واللاتينية والعبرية . وأخيرا إلى الفرنسية . كما ستراه عند ذكر مصنفاته . ولا ننس أن ابن الجزار لم يفارق بلاده قط فيما علمنا ولم يتعلم في غير وطنه ، والأمر الوحيد الذي نقل في ترجمته انه كان هم في وقت ما بالرحلة إلى الأندلس . ولم ينفذ ذلك . وعاش ابن الجزار موقرا محترما في البيئة التي قضى فيها حياته الطويلة وقد بلغ من العمر الثمانين وربما جاوزها . ومات عتيا بالقيروان سنة 369 ه‍ ( 980 م ) على ما رواه المحقق ابن العذاري نقلا عن الرقيق فيما أظن . وقد حصل اضطراب كبير بين من عرفوا به في تعيين تاريخ وفاته . فقد قال ياقوت انه « كان في أيام المعز لدين الله في حدود سنة 350 هأو ما قاربها » وقال الحاجي خليفة في كشف الظنون وكررها مرارا « المتوفى بعد سنة 400 » وهذا لا يصح أصلا . وآخر من ذكر ذلك المستعرب بروكلمان وجعل موته في سنة 395 ه‍ - نقلا لا محالة عن غيره . والصواب ما أثبتنا آنفا . وترك أحمد ثروة لا يستهان بها . قال ابن أبي أصيبعة : « وجد له أربعة وعشرون ألف دينار ذهبا . وعشرون قنطارا من الكتب بين طبية وغيرها » . ومن أشهر الأطباء الذين تلقوا العلم والعمل عن ابن الجزار ( أبو حفص عمر بن بريق الأندلسي ) فإنه قدم إلى القيروان ولازمه مدة ، وأخذ عنه الصناعة وروى عنه تاليفه ثم عاد بعد ذلك إلى الأندلس ، وخدم بالطب الأمراء الأمويين خصوصا عبد الرحمن الناصر الذي استخلصه لنفسه . وابن بريق هذا هو الذي ادخل كتب أستاذه إلى جزيرة الأندلس فتلقاها عنه جماعة من الأخصائيين بالصناعة الطبية ما بين مسلمين ويهود ونصارى - منهم سليمان بن جلجل المتقدم - فراجت كتبه بينهم أيما رواج وترجمت إلى لغاتهم كما يأتي بيانه . ولأحمد بن الجزار مصنفات كثيرة في شتى العلوم والمواضيع وأهمها الطب ، وهنا نذكر منها ما وصل إلينا خبره ، آملين أن تتاح لنا أو لغيرنا الفرصة للوقوف على ما لم يذكر منها ليعرفوا بها . في الطب 1 - « زاد المسافر . وقوت الحاضر » في علاج الأمراض ، مجلدان وهو من أهم الكتب الطبية العملية التي وضعها المسلمون ، والمظنون أن المؤلف أهداه إلى صديقه الأمير أبي طالب أحمد بن عبد الله المهدي كما يفهم من مقدمته الرائعة ، ويوجد منه نسخ عديدة في المكتبات العمومية والخصوصية باروبا وبالمشرق ، منها في مكتبة الشعب بباريس وفي الجزائر ودرسدن بالمانيا وفي البدلية في أكسفورد ، وفي رنبور بالهند ومكتبة هافانا بهولاندا وغير ذلك . وقد اتجهت عناية الباحثين إليه من زمان قديم . وتقدمت الإشارة إلى ما مدحه به كشاجم الشاعر . وأول من عرفه إلى العالم العربي هو الحكيم قسطنطين المشهور بالإفريقي الآتي ذكره ، فقد عمد إلى هذا الكتاب حينما كان يرأس كلية ( ساليرنو ) في جنوب إيطاليا وترجمه إلى اللاتينية في أواسط القرن الخامس للهجرة ( الحادي عشر للميلاد ) بعنوان Viaticum ( ) Peregrinantis وهي ترجمة كلمة « زاد المسافر » بالحرف لكنه نسب الأصل إلى نفسه ، كما ترجم إلى اللغة اليونانية باسم ( Ephodes ) ويوجد من الترجمتين نسخ عديدة بمكتبات أروبا . منها في باريس ، وفي المتحف البريطاني ، وفيورنسا بإيطاليا . وأقدم هذه النسخ هي المحفوظة بمكتبة الفاتيكان في رومة وتاريخها أواخر القرن العاشر للميلاد يعني بعد وفاة ابن الجزار بقليل . ونقل زاد المسافر إلى اللغة العبرية طبيب مشهور من يهود الأندلس

--> ( 1 ) هذا القول من المالكي لا يدل على أن المترجم له ربما كان يميل إلى شيء من التشيع ، بل يدل على أنه كان من التشيع في الصميم . وعراقته في التشيع هي التي حملت أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على تجاهله وعدم ذكره « ح » .